تفاصيل الحكاية
نص الحكاية كما تم تحريره من لوحة الإدارة.
تنطلق هذه الرواية من ذاكرةٍ جمعيةٍ محلية، تتقاطع فيها الشهادة الشفوية مع الذاكرة العشائرية لدى أبناء المواجدة، باعتبارها جزءًا من السرد التاريخي غير المدون الذي تناقلته الأجيال. ومن هذا المنظور، لا تُقدَّم هذه الأحداث بوصفها سردًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها أيضًا ذاكرة حيّة تحملها العائلات التي عاشت آثار تلك المرحلة، وما زالت تحفظ تفاصيلها في روايات كبار السن وذاكرة المكان.
وعند زيارة القرية القديمة والتجول في مغائرها، يمكن رؤية بقايا من عظام وشواهد قديمة، ما يفتح بابًا واسعًا للتأمل في حجم المأساة التي عاشها أهل قرية العراق في بدايات القرن العشرين. وتبقى تلك المشاهد دافعًا للمطالبة بالعناية بهذه الرفات، وحمايتها من الإهمال، مع الدعوة إلى جمعها في مدفن جماعي يخلّد أسماء الضحايا، تقديرًا لذكراهم وإنسانيتهم.
ومن الشهادات المهمة التي نقلها الباحث الأستاذ خالد المواجدة، والتي دوّنها عام 1981م، رواية الحاج حمد بن سليمان بن موسى المواجدة (مواليد 1898م)، والذي عاصر أحداث عام 1911م وهو في سن الثانية عشرة. وقد كان الحاج حمد من الشخصيات التي عاشت أحداث تلك المرحلة بكل تفاصيلها...
يذكر في شهادته أن أحداث الكرك في تلك الفترة شهدت توترًا وصدامات أدت إلى مواجهات بين الأهالي والقوات العثمانية، سقط خلالها عدد من القتلى من الطرفين، وتلتها حملة عسكرية على قرية العراق في صباح 16/1/1911م بقيادة البيكباشي وحيد بيك.
ويصف الحاج حمد تلك الفترة بأنها كانت شديدة القسوة على الأهالي، حيث تم تجميع عدد من رجال القرية ونقلهم إلى إحدى الدور الكبيرة في المنطقة، وسط حالة من الحصار والاضطراب. كما تم أخذ عدد من ممتلكات الأهالي من خيول ومؤن ومواد غذائية، ما ترك أثرًا كبيرًا على الحياة اليومية في القرية آنذاك. يقول الحاج: " أيامها كان عندنا خيل ما لها مثيل في الكرك كلها ، وكان فيه خير كثير عند الناس ويقوموا ( الأتراك ) ويلموا الخيل والحلال كله، ويفوتوا على البيوت ويلموا السمن واللبن والقمح والطحين ، ويطلعوا الفراش والبسط من البيوت ويحرقوا كل أشي ما خلوا شي."
ويتابع في شهادته أنه كان طفلًا صغيرًا وقتها، وتم فصله عن بعض أفراد عائلته أثناء تلك الأحداث، في مشهد ترك أثرًا عميقًا في ذاكرته، خصوصًا مع حالة الخوف والارتباك التي سادت القرية. ويشير إلى أن عددًا كبيرًا من الرجال تم احتجازهم، بينما تمكنت بعض العائلات من الفرار بأطفالها إلى مناطق أكثر أمانًا.
وبعد انتهاء تلك الأحداث، تقلص عدد سكان القرية بشكل كبير، ولم يتبقَّ سوى عدد محدود من العائلات، حيث سادت حالة من الحزن والتكاتف بين من تبقى، وتحولت العلاقات الاجتماعية إلى شكل من أشكال التضامن العائلي لتعويض الفقد الكبير.
ويذكر أن بعض أبناء القرية تزوجوا من أسر فقدت أفرادها بهدف إعالة الأطفال وإعادة بناء الحياة الاجتماعية من جديد، في محاولة لترميم آثار تلك المرحلة الصعبة. "ما ظل على تالي المواجدة ناس غير مسلم وصربة زلم قليلين، أكثر المواجدة اللي انذبحوا من الهوارين واعيال احمد ، وظلت هالناس تنوح وتجوح شهور، وقام المواجدة اللي ظلوا صاروا عيلة واحدة ومراح واحد ( يقصد بذلك التضامن وتضميد الجراح) ، وفيه أكمن واحد من المواجدة اللي اتجوز مرت أخوه أو مرت ابن عمه من اللي انذبحوا ودهم يربوا اعيالهم."
ويشير الحاج حمد إلى أن عدد الضحايا من أبناء المواجدة تجاوز الثمانين شخصًا من الرجال، في واحدة من أكثر الفترات قسوة على القرية.
وقد وردت بعض هذه الأحداث في تغطيات صحفية تاريخية، منها ما نشرته جريدة المقتبس التي كانت تصدر في دمشق، ومحررها محمد كرد علي، في عددها رقم 573 بتاريخ 10/1/1911م، حيث أشارت إلى أخبار عن التوترات في المنطقة واستمرار المصادمات آنذاك.
كما تتذكر القرية عددًا من أبنائها الذين استشهدوا في مراحل لاحقة، منهم من سقطوا في فلسطين خلال ثورة عام 1936م، ومنهم سليمان بن عقلة بن يوسف المواجدة وعبد الحليم الحرازنة، إضافة إلى شهداء في حروب 1967 و1970، ومنهم جميل بن محمود بن أحمد المواجدة، وعبد الله بن عبد الرزاق بن صبح المواجدة، وأحمد بن محمد بن سالم المرابحة، وسعد بن أرشيد بن عطا الله المواجدة.
كاتب اردني
منقول بتصرف من مقال الاستاذ مفلح العدوان - جريدة الرأي الأردنية
( مجلة الكرك، دورية ثقافية صادرة عن اللجنة الاعلامية للكرك مدينة الثقافة الاردنية: 2009)