تفاصيل الحكاية
نص الحكاية كما تم تحريره من لوحة الإدارة.
في الزمن الذي كانت فيه بلاد الشام تغلي بالثورات، لم تكن الكرك مجرد مدينةٍ جنوبية هادئة، بل كانت محطةً للأحرار وملاذاً للثائرين. فمن بين حكاياتها التي بقيت حيّة في الذاكرة الشعبية، تبرز قصة لجوء القائد العربي الكبير سلطان باشا الأطرش إلى الكرك، بعد اشتداد ملاحقة القوات الفرنسية له خلال الثورة السورية الكبرى.
عام 1925، اشتعلت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، الذي تحوّل اسمه سريعاً إلى رمزٍ للمقاومة العربية ضد الاستعمار الفرنسي. انطلقت الثورة من جبل العرب، لكنها امتدت إلى مناطق واسعة من سوريا، لتصبح واحدة من أهم الثورات العربية في القرن العشرين.
كان الفرنسيون يدركون خطورة سلطان باشا وتأثيره الشعبي الكبير، لذلك كثفوا حملاتهم العسكرية لملاحقة الثوار ومحاصرتهم. ومع اشتداد المعارك وصعوبة الظروف، اضطر سلطان باشا وعدد من رفاقه إلى الانسحاب جنوباً باتجاه الأراضي الأردنية، بحثاً عن مكانٍ آمن يعيدون فيه ترتيب صفوفهم.
وهنا بدأت حكاية الكرك.
عندما وصل سلطان باشا الأطرش إلى الكرك، لم يُعامل كغريب أو لاجئ سياسي، بل كفارسٍ عربي وثائر يحمل قضية شرف وحرية. استقبله أهل الكرك بحفاوة كبيرة، وفتحت البيوت أبوابها له ولرجاله، رغم إدراك الجميع أن استضافة الثوار قد تجلب المتاعب والضغوط السياسية.
وتروي الروايات المتناقلة بين أهالي الكرك أن بعض البيوت القديمة داخل المدينة تحولت إلى أماكن آمنة لاجتماعات الثوار، بينما كان رجال الكرك يتكفلون بحراسة الطرق والممرات الجبلية ليلاً، تحسباً لأي محاولة تعقب أو ملاحقة.
أما النساء، فكان لهن دور لا يقل أهمية، إذ كنّ يجهزن الطعام والمؤن للثوار بسرية تامة، في مشهدٍ يجسد روح التكافل والنخوة التي عُرفت بها الكرك عبر تاريخها.
لم يكن وجود سلطان باشا الأطرش في الكرك مجرد إقامة عابرة، بل ترك أثراً عميقاً في ذاكرة المدينة. فقد كان يجلس مع وجهاء الكرك وأبنائها، يتحدث عن الحرية ووحدة العرب ورفض الاستعمار، بينما كان الأهالي يرون فيه صورة الفارس العربي الذي لم يتخلَّ عن مبادئه رغم الحصار والمطاردة.
ومع مرور السنوات، تحولت القصة إلى واحدة من أشهر الحكايات الشعبية في الكرك، لأنها تعكس العلاقة التاريخية بين المدينة والثورات العربية. فالكرك كانت دائماً تُعرف بمواقفها القومية واحتضانها لكل من يقاتل دفاعاً عن الحرية والكرامة.
حتى اليوم، لا تزال بعض الروايات الشعبية في الكرك تذكر الأماكن التي قيل إن سلطان باشا مرّ بها أو أقام فيها، وتبقى الحكاية جزءاً من الذاكرة الجماعية لأهل المدينة، يتناقلونها جيلاً بعد جيل بفخرٍ واعتزاز.
وعندما يقف الزائر اليوم أمام قلعة الكرك، وينظر إلى أحياء المدينة القديمة، يدرك أن هذه الحجارة لم تشهد الحروب فقط، بل احتفظت أيضاً بقصص الرجال الذين مروا من هنا حاملين أحلام الحرية.